جلال الدين السيوطي
110
الإتقان في علوم القرآن
قال الراغب « 1 » : الكتاب الأوّل ما كتبوه بأيديهم المذكورة في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] . والكتاب الثاني التوراة ، والثالث لجنس كتب اللّه كلها ، أي : ما هو من شيء من كتب اللّه وكلامه . ومن أمثلة ما يظنّ تكرارا وليس منه « 2 » : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [ الكافرون : 1 ، 2 ] . إلى آخرها ، فإن لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) أي : في المستقبل وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ أي : في الحال ما أَعْبُدُ في المستقبل وَلا أَنا عابِدٌ أي : في الحال ، ما عبدتم في الماضي . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ أي : في المستقبل ما أَعْبُدُ أي : في الحال . فالحاصل : أنّ القصد نفي عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة . وكذا فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [ البقرة : 198 ] ، ثم قال : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ [ البقرة : 200 ] ، ثم قال : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [ البقرة : 203 ] ؛ فإنّ المراد بكلّ واحد من هذه الأذكار غير المراد بالآخر ، فالأول : الذكر في مزدلفة عند الوقوف بقزح ، وقوله : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ إشارة إلى تكرّره ثانيا وثالثا ، ويحتمل أن يراد به طواف الإفاضة ، بدليل تعقيبه بقوله : فَإِذا قَضَيْتُمْ ، والذكر الثالث : إشارة إلى رمي جمرة العقبة ، والذكر الأخير : لرمي أيام التشريق . ومنه تكرير حرف الإضراب « 3 » في قوله : بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ [ الأنبياء : 5 ] ، وقوله : بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [ النمل : 66 ] . ومنه قوله : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 236 ] ، ثم قال وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 [ البقرة : 241 ] : فكرّر الثاني ليعمّ كلّ مطلقة ، فإنّ الآية الأولى في المطلّقة قبل الفرض والمسيس خاصّة ؛ وقيل : لأنّ الأولى لا تشعر بالوجوب ، ولهذا لما نزلت قال بعض الصحابة : إن شئت أحسنت ، وإن شئت فلا . فنزلت الثانية ، أخرجه ابن جرير « 4 » .
--> ( 1 ) في المفردات ص 425 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 20 - 21 . ( 3 ) البرهان 3 / 24 . ( 4 ) تفسير الطبري 2 / 599 .